أعادها إلى عصمته وهي لا تعلم أصلاً أنه فعل.. فهل تصحّ الرجعة دون علمها؟

المقدمة
من أكثر مسائل الطلاق إثارة للحيرة والدهشة بين الناس مسألة الرجعة في الخفاء. فكثيرون يتصورون أن عودة الزوجة إلى عصمة زوجها لا بد أن تكون بعلمها ورضاها وحضورها، كما كان الزواج نفسه بعقد وشهود وولي، فإذا قيل لهم إن الزوج قد يراجع مطلقته الرجعية وهي لا تعلم أصلاً، استغربوا ذلك وربما ظنوه ظلماً أو تلاعباً بالحقوق.
وزاد من حدة الجدل في هذه المسألة أن آثارها ليست نظرية، بل تمس بيوتاً حقيقية ومصائر أسر كاملة. فقد تنقضي عدة المرأة وهي تظن نفسها بائناً من زوجها، فتتزوج بآخر، ثم يظهر أن الزوج الأول كان قد راجعها في أثناء العدة دون أن يبلغها. وهنا يثور السؤال: هل تصح هذه الرجعة شرعاً رغم خفائها؟ وهل يُشترط فيها الإشهاد حتى تكون صحيحة؟ وبين الجواز في أصل الرجعة والخلاف في الإشهاد تتقرر أحكام كبيرة، ولذلك اعتنى الفقهاء بهذه المسألة عناية خاصة، ونبهوا مع ذلك إلى أهمية التوثيق والإعلان حفظاً للحقوق ومنعاً للنزاع.
الإجابة فقهياً بالأدلة
الرجعة هي إعادة الزوج مطلقته الرجعية إلى عصمته في أثناء عدتها من طلاق رجعي، من غير حاجة إلى عقد جديد ولا مهر جديد. وقد دل القرآن الكريم على مشروعيتها في سياق أحكام الطلاق والعدة، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الطلاق، الآية 2: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وهي الآية التي استدل بها من أوجب الإشهاد على الرجعة، كما سيأتي.
أما اشتراط علم المرأة أو رضاها أو حضورها، فقد نقل موقع الإسلام سؤال وجواب في جواب السؤال رقم 175184 الحكم صريحاً بقوله: «للزوج أن يرجع مطلقته الرجعية أثناء العدة، ولا يُشترط حضورها ولا علمها». وهذا الحكم منقول عن الإمام ابن قدامة رحمه الله في كتابه «المغني»، إذ قال: «الرجعة لا تفتقر إلى وليّ ولا صداق ولا رضا المرأة ولا علمها بإجماع أهل العلم… فإذا راجعها وهي لا تعلم صحّت المراجعة». ووجه ذلك عند الفقهاء أن الرجعة ليست إنشاء لزواج جديد، وإنما هي استدامة للزواج القائم أصلاً ما دامت العدة باقية، فالزوجية لم تنقطع انقطاعاً تاماً بالطلاق الرجعي، وإنما أعطى الشرع الزوج حق المراجعة في مدة العدة دون توقف على رضا جديد من المرأة.
بل نقل ابن قدامة الصورة الأشد والأكثر إثارة للجدل، وهي أن المرأة إذا انقضت عدتها في ظاهر الأمر، وظنت أنها قد بانت من زوجها الأول، فتزوجت بزوج آخر، ثم أقام الزوج الأول البينة على أنه كان قد راجعها في أثناء العدة وهي لا تعلم، فإنها تُردّ إليه. وهذه الصورة تبين خطورة إخفاء الرجعة وعدم توثيقها، وإن كانت الرجعة في أصلها صحيحة عند جمهور العلماء رغم عدم علم المرأة بها.
ثم يأتي الخلاف الحقيقي في هذه المسألة، وهو خلاف في الإشهاد على الرجعة. فقد ذهب الجمهور، وهم الحنفية والمالكية والشافعية في القول الجديد ورواية عن الإمام أحمد، إلى أن الإشهاد على الرجعة مستحب وليس شرطاً لصحتها، فتصح الرجعة ولو لم يُشهد عليها، وإن كان الإشهاد أفضل وأحفظ للحقوق. وذهب الشافعي في القول القديم ورواية أخرى عن الإمام أحمد إلى أن الإشهاد واجب، مستدلين بظاهر قوله تعالى في سورة الطلاق، الآية 2: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فالأمر في الآية عندهم للوجوب، وبناء عليه تكون الرجعة الخالية من الإشهاد غير صحيحة عند قائلي هذا القول.
وهكذا يتبين أن أصل صحة الرجعة دون علم المرأة متفق عليه في النقل المذكور عن أهل العلم، وأن محل النزاع المؤثر هو الإشهاد: فمن قال باستحبابه حكم بصحة الرجعة الخفية، ومن قال بوجوبه حكم ببطلانها إذا خلت من الشهود. وبين هذين القولين تتغير مصائر بيوت، إذ قد تُبنى على صحة الرجعة أو بطلانها أحكام الزواج الثاني والميراث والنسب وغيرها. ولذلك نصح الفقهاء أنفسهم، مع قولهم بصحة الرجعة في الأصل، بأن تُوثق الرجعة وتُعلن وتُشهد عليها، خروجاً من الخلاف، وحفظاً لحق المرأة وحق الزوج وحق من قد يتزوجها بعد ذلك، وقطعاً لأبواب الخصومة والإنكار.
رأي دار الإفتاء والأزهر
لم نقف في المادة الموثقة لهذه المسألة على فتوى منشورة برقم محدد لدار الإفتاء المصرية في حكم الرجعة دون علم المرأة بعينها، كما لم نقف على فتوى منشورة للأزهر الشريف أو مجمع البحوث الإسلامية في هذه المسألة بعينها.
ولذلك لا يصح أن يُنسب إلى أي من الجهتين قول أو رقم فتوى لم يرد في مصدر موثق. والموقف المنقول والمحقق هنا هو ما قرره الفقهاء في كتبهم، وما نقله موقع الإسلام سؤال وجواب عن ابن قدامة في «المغني»، مع التنبيه العملي الذي أكده الفقهاء أنفسهم بضرورة التوثيق والإشهاد والإعلان، لما يترتب على إخفاء الرجعة من نزاعات خطيرة تمس استقرار الأسر وحقوق جميع الأطراف.
المراجع
– موقع الإسلام سؤال وجواب، سؤال رقم 175184
– المغني، لابن قدامة
– إسلام ويب، فتوى رقم 126764
– سورة الطلاق، الآية 2



