طلّقها في لحظة غضب عارم وندم بعد ساعة.. فهل يقع الطلاق ممن لا يعي ما يقول؟

المقدمة
قليل من الأسئلة الفقهية يثير من الحيرة والجدل بين الناس ما يثيره سؤال طلاق الغضبان. فكثير من الأزواج ينطق بلفظ الطلاق في لحظة انفعال شديد، ثم لا يلبث أن يهدأ غضبه ويندم على ما قال، ويتساءل هو وزوجته وأهلهما: هل وقع الطلاق فعلاً أم أن الغضب يمنع وقوعه؟ وتتضارب الإجابات التي يسمعها الناس؛ فمن قائل إن الطلاق يقع بمجرد النطق به مهما كانت حالة قائله، ومن قائل إن الغضبان لا طلاق عليه مطلقاً، وبين القولين تقع أسر كاملة في حيرة لا تنتهي.
وترجع صعوبة المسألة إلى أن الغضب نفسه ليس حالة واحدة، بل هو درجات متفاوتة؛ فمنه غضب يسير لا يخرج صاحبه عن اتزانه، ومنه غضب مستحكم يفقد الإنسان معه القدرة على التثبت والتروي، ومنه غضب شديد قد يزيل العقل بالكلية فلا يدري صاحبه ما يقول. ولذلك لم يكن حكم الفقهاء في المسألة حكماً واحداً مطلقاً، بل بنوه على التفريق بين هذه الدرجات، وعلى تحقيق المقصود من لفظ الطلاق وهل صدر عن إرادة معتبرة شرعاً أم لا.
الإجابة فقهياً بالأدلة
الأصل في الطلاق أنه تصرف شرعي خطير يترتب عليه انحلال عقد الزوجية، وقد جاءت نصوص القرآن الكريم بتنظيمه وبيان أحكامه، ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة، الآية 229: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقوله تعالى في سورة الطلاق، الآية 1: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾. وهذه النصوص وإن لم تتناول حالة الغضب بعينها، فإنها تؤسس لمبدأ عام هو أن الطلاق تصرف مقصود تترتب عليه آثاره إذا صدر ممن هو أهل له وبإرادة معتبرة.
أما الدليل الخاص بمسألة الغضب فهو حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»، رواه أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، وابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق. وقد اختلف المحدثون في درجة هذا الحديث؛ فحسّنه بعض أهل العلم، وضعّفه آخرون، فلا يصح الجزم بثبوته أو ضعفه دون الإشارة إلى هذا الخلاف. وفسر كثير من الفقهاء «الإغلاق» في الحديث بالغضب الشديد الذي يغلق على صاحبه باب القصد والإدراك، أو يغلبه حتى يسبقه اللفظ من غير قصد حقيقي لإيقاع الطلاق.
وقد نقل ابن القيم في كتابه «أعلام الموقعين» عن شيخ الإسلام ابن تيمية تقسيماً دقيقاً للغضب جعله ثلاثة أقسام. القسم الأول: غضب يزيل العقل، فلا يعي صاحبه ما يقول ولا يدري ما صدر منه، فهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع بين العلماء، لأنه صار في حكم من فقد التمييز. والقسم الثاني: غضب يكون في مبادئه وأوائله، فلا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده، فهذا يقع طلاقه، لأن إرادته حاضرة وقصده متحقق. والقسم الثالث: غضب متوسط مستحكم، شديد لا يزيل العقل بالكلية، لكنه يمنع صاحبه من التثبت والتروي ويحمله على التلفظ بما لم يكن ليقوله في حال رضاه وهدوئه، فهذا القسم محل نظر واجتهاد بين العلماء، وعدم الوقوع في هذه الحالة قول قوي متجه عند ابن تيمية وابن القيم.
وعلى هذا التقسيم يدور الخلاف الحقيقي في المسألة؛ فالخلاف ليس في أصل المبدأ، وإنما في تحديد خط التقسيم بين الغضب المانع من الوقوع والغضب غير المانع. ففريق وسّع مفهوم الإغلاق حتى شمل كل غضب شديد أثّر في الإرادة، وفريق آخر ضيّقه فقصره على حالة فقدان الوعي التام. ولكل فريق أدلته وتعليلاته، ولهذا لا يصح أن يفتي إنسان نفسه أو غيره في هذه المسألة اعتماداً على سماع عام، لأن الحكم يتبع تحقيق الحالة ووصفها وصفاً دقيقاً.
رأي دار الإفتاء والأزهر
ذهبت دار الإفتاء المصرية في فتواها المنشورة بعنوان «حكم الطلاق البدعي وطلاق الغضبان» على بوابة الأسرة التابعة للدار إلى أن الذي عليه العمل في الديار المصرية إفتاءً وقضاءً أنه لا يقع طلاق الغضبان إذا وصل به الأمر إلى حد الإغلاق. وفسرت الدار الإغلاق بصورتين: الصورة الأولى عدم الإدراك، بأن لا يعي الرجل ما يقول بسبب شدة الغضب. والصورة الثانية عدم الإملاك، بأن يعي ما يقول من حيث اللفظ، لكن الغضب يغلبه غلبة شديدة فيسبقه اللفظ بغير قصد حقيقي لإنشاء الطلاق وإرادته.
وأكدت دار الإفتاء في تناولها للمسألة أنها لا تفتي فيها بالعموم، وإنما تفحص كل حالة على حدة، وتستمع إلى صاحبها، وتنظر في قرائن الحال ودرجة الغضب ومدى بقاء الإدراك والقصد، ثم تبني الحكم على ما يظهر لها من واقع الحال. وهذا المنهج هو الأسلم عملياً، لأن الفارق بين وقوع الطلاق وعدمه قد يتوقف على تفاصيل دقيقة لا تدرك إلا بالسؤال المباشر والتحقيق.
أما الأزهر الشريف، فلم نقف على فتوى منشورة للأزهر في هذه المسألة بعينها تحدد موقفاً خاصاً من طلاق الغضبان وحالة الإغلاق، ولذلك لا ينسب إليه هنا قول لم يصدر عنه في مصدر موثق منشور.
المراجع
دار الإفتاء المصرية، فتوى «حكم الطلاق البدعي وطلاق الغضبان»، بوابة الأسرة
سنن أبي داود، كتاب الطلاق، حديث «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»
سنن ابن ماجه، كتاب الطلاق، حديث «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»
أعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية، نقلاً عن ابن تيمية في تقسيم الغضب
القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 229، وسورة الطلاق، الآية 1

