خلعته أمام المحكمة ثم عادت إليه بعقد جديد.. فهل حُسب الخلع طلقةً من رصيده؟

المقدمة
يعد الخلع من أكثر أبواب فقه الأسرة إثارة للجدل بين الناس، ولا سيما في مسألة دقيقة كثيراً ما تتكرر في الواقع العملي: إذا اختلعت المرأة من زوجها أمام المحكمة، ثم تصالحا بعد مدة وأرادا الرجوع إلى بعضهما بعقد ومهر جديدين، هل تحسب تلك المخالعة طلقة تنقص من عدد الطلقات التي يملكها الزوج، أم أنها فسخ للعقد لا يحسب من الطلقات أصلاً؟ وعلى هذا السؤال تتوقف أحكام كبرى، إذ لو سبق للزوج طلقتان ثم وقع الخلع وحسب طلقة ثالثة، صارت المرأة محرمة عليه تحريماً مؤقتاً حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً.
وترجع حيرة الناس في المسألة إلى أنهم يسمعون رأيين متداولين؛ رأياً يقول إن الخلع مجرد فسخ وفرقة مقابل مال تدفعه المرأة فلا علاقة له بعدد الطلقات، ورأياً آخر يقول إنه طلاق بائن كأي طلاق بائن. والفصل بين الرأيين لا يكون بالانطباع العام، بل بالرجوع إلى النص الشرعي وكلام الفقهاء وما استقر عليه العمل إفتاءً وقضاءً في مصر.
الإجابة فقهياً بالأدلة
أصل مشروعية الخلع ثابت في القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة البقرة، الآية 229: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. فقد أباحت الآية للمرأة أن تفتدي نفسها بمال تدفعه لزوجها إذا خيف ألا يقيما حدود الله في حياتهما الزوجية، ودلت على أن هذه الفرقة تقع بعوض، وهي بذلك تختلف في صورتها عن الطلاق الذي يوقعه الزوج بإرادته المنفردة من غير عوض.
وثبت أصل الخلع أيضاً في السنة النبوية في قصة امرأة ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنهما؛ فقد جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة»، رواه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق. وقد استدل الفقهاء بهذه القصة على مشروعية الخلع، واختلفوا في تكييف الفرقة الواقعة به: أهي طلاق أم فسخ؟
فذهب جمهور الفقهاء، وهم الحنفية والمالكية والشافعية في القول الجديد من مذهب الشافعي، إلى أن الخلع طلاق بائن ينقص من عدد الطلقات التي يملكها الزوج. وحجتهم أن الفرقة بالخلع وإن وقعت بعوض وبرضا الطرفين، فإنها فرقة بلفظ مقصود لإنهاء الزوجية يملكها الزوج، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لثابت بن قيس: «وطلقها تطليقة»، فسماها تطليقة. فإذا طلق الرجل امرأته طلقتين ثم خالعته، كان الخلع هو الطلقة الثالثة المكملة للبينونة الكبرى.
وذهب فريق آخر إلى أن الخلع فسخ لعقد النكاح وليس طلاقاً، فلا يحتسب من عدد الطلقات أصلاً. وهذا القول مروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، وهو قول الشافعي في القديم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. وحجة هذا الفريق أن الله تعالى ذكر الطلاق في الآية مرتين ثم ذكر الافتداء ثم ذكر الطلقة الثالثة بعدها، ولو كان الخلع طلاقاً لصار عدد الطلقات أربعاً، ولأن الفسخ يختلف في طبيعته عن الطلاق؛ فالطلاق إنهاء بعوض أو بغير عوض بإرادة الزوج، بينما الخلع معاوضة على رفع العقد برضا الطرفين فأشبه الفسخ. فعلى هذا القول، لو خالع الرجل امرأته ثم تزوجها بعقد جديد عادت إليه بطلقاتها كاملة غير منقوصة بالخلع.
وسبب الجدل المستمر أن لكل فريق فهماً منضبطاً لنص الآية وحديث امرأة ثابت بن قيس، غير أن السؤال العملي لمن يعيش في مصر لا يحسم بالخلاف النظري وحده، بل بما عليه الفتوى والقانون المعمول به، وهو ما تبينه الفقرة التالية.
رأي دار الإفتاء والأزهر
حسمت دار الإفتاء المصرية هذه المسألة في فتواها المنشورة بعنوان «هل الخلع طلاق أم فسخ؟» بتاريخ 23 يونيو 2019، ومفتي الديار المصرية وقتها الدكتور شوقي علام، ونصت الفتوى على أن الطلقة الواقعة بالخلع تحسب طلقة بائنة، وأن هذا ما عليه جمهور الفقهاء، وعليه العمل في الديار المصرية إفتاءً وقضاءً. وبناء على ذلك، فإن الخلع في التطبيق المصري ينقص من عدد الطلقات، فإذا سبقه طلقتان صار الخلع ثالثة وتحصل به البينونة الكبرى، فلا تحل المرأة لزوجها الأول بعقد جديد حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً ثم يفارقها بموت أو طلاق وتنقضي عدتها منه.
ويتوافق هذا مع ما نص عليه القانون المصري المنظم للخلع؛ فقد نصت المادة 20 من القانون رقم 1 لسنة 2000 على أنه يقع بالخلع في جميع الأحوال طلاق بائن. فصار الحكم القضائي والفتوى الرسمية على قول واحد لا لبس فيه في السياق المصري، وهو احتساب الخلع طلقة بائنة.
أما الأزهر الشريف، فلم نقف على فتوى منشورة للأزهر في هذه المسألة بعينها تميز موقفه عن موقف دار الإفتاء والقانون على وجه موثق يمكن نسبته إليه هنا، ولذلك يقتصر العرض الموثق على فتوى دار الإفتاء ونص القانون المذكورين.
المراجع
دار الإفتاء المصرية، فتوى «هل الخلع طلاق أم فسخ؟»، 23 يونيو 2019، الدكتور شوقي علام
قانون رقم 1 لسنة 2000، المادة 20، في وقوع الطلاق البائن بالخلع
صحيح البخاري، كتاب الطلاق، قصة امرأة ثابت بن قيس بن شماس
القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 229


