طلّقها ثلاثاً فتزوّجت غيره وطلّقها قبل أن يمسّها.. فهل تحلّ الآن لزوجها الأول؟

المقدمة
سؤال يتكرر كثيراً في بيوت مرت بتجربة الطلاق البائن: رجل طلّق زوجته ثلاثاً، فتزوجت رجلاً آخر زواجاً شرعياً بعقد ومهر وولي، ثم طلّقها الثاني قبل أن يدخل بها وقبل أن يمسّها، فهل تحل بذلك للأول؟ يظن كثير من الناس أن مجرد العقد الثاني كافٍ، لأن الآية قالت ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾، وكلمة النكاح قد تُفهم عند العامة بمعنى العقد وحده. ومن هنا ينشأ الجدل والخلط، بل قد تُبنى على هذا الظن زيجات جديدة يتبين لاحقاً أنها قامت على فهم ناقص للنص.
وزاد المسألة حساسية أنها تتصل بوقائع تحليل مشبوهة، يتزوج فيها الثاني على نية التحليل ثم يطلق من غير دخول، فيُسأل: هل ينفع هذا العقد في إحلال المرأة للأول؟ والجواب عند جمهور أهل العلم واضح وحاسم، تدعمه السنة النبوية وفتوى أزهرية في واقعة مماثلة.
الإجابة فقهياً بالأدلة
قال الله تعالى في سورة البقرة، الآية 230: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وقد بيّن المفسرون أن المراد بالنكاح هنا ليس مجرد العقد، بل النكاح الصحيح الذي يحصل فيه الوطء. قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: «حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح»، ثم قال: «وهكذا لو تزوجت ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحلّ للأول». فعبارة ابن كثير صريحة في أن العقد من غير دخول لا يكفي، وأن المرأة لا تحل لزوجها الأول بمجرد زواج ثانٍ لم يتم فيه الدخول.
والدليل النبوي في المسألة هو حديث امرأة رفاعة القرظي رضي الله عنها، المتفق عليه في صحيح البخاري وصحيح مسلم. فقد طلّقها رفاعة ثلاثاً، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير رضي الله عنه، ثم جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو أنه لم يمسّها، وتريد الرجوع إلى رفاعة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك». والعسيلة في كلام أهل العلم كناية عن الجماع وحصول لذته. فمنعها النبي صلى الله عليه وسلم من الرجوع إلى الأول رغم وجود عقد ثانٍ، لأن الدخول الحقيقي لم يقع، وهذا نص في محل النزاع لا يحتمل تأويلاً بعيداً.
وعلى هذا أجمع عمل جمهور الفقهاء من المذاهب المعتبرة: لا تحل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول حتى تتزوج زوجاً آخر زواج رغبة صحيحاً، ويدخل بها دخولاً حقيقياً، ثم يفارقها بطلاق أو موت، وتنقضي عدتها منه. فشروط الحل عندهم مجتمعة: عقد صحيح، ونية رغبة لا تحليل، ووطء حقيقي، ثم فرقة، ثم انقضاء عدة. واختلال شرط واحد، كغياب الوطء، يمنع حصول الحل.
ونُقل في كتب الفقه قول منسوب إلى سعيد بن المسيب رحمه الله، وهو من كبار التابعين، مفاده أن التحليل يحصل بمجرد العقد ولو من غير وطء. وهو قول شاذ مشهور في كتب الخلاف، وصفه العلماء بالشذوذ لمخالفته حديث امرأة رفاعة الصريح. وقد اضطرب النقل عن سعيد نفسه، إذ رُوي عنه مرفوعاً في القصة نفسها قوله: «لا حتى تذوق العسيلة»، فاختلف النقل عنه بين القول بكفاية العقد والقول باشتراط ذوق العسيلة. ولهذا لم يأخذ الجمهور بالقول المنسوب إليه، وبقي العمل على الحديث المتفق عليه.
وزاد المالكية دقة في الضابط، فقرروا أن الوطء المعتبر هو الوطء الحلال في وقته؛ فلو وطئها الزوج الثاني في حال لا يحل فيها الوطء، كحال الحيض أو الإحرام، لم تحلّ بذلك الوطء للزوج الأول عند مالك رحمه الله. ومقصودهم أن الشرع اشترط وطئاً صحيحاً معتبراً، لا أي صورة من صور الاتصال المحرّم في وقته.
أما إذا كان الزواج الثاني أصلاً زواج تحليل متفقاً عليه، ووقع الطلاق فيه قبل الدخول، فقد اجتمع فيه مانعان: فساد قصد التحليل، وغياب الوطء. وقد أفتت لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية في واقعة من هذا النوع بأن «هذا الزواج باطل لا يحل»، وقررت أنه «بالتالي لا تحل السائلة بهذا الزواج لزوجها الأول؛ لأن ما بُني على باطل فهو باطل». فالفتوى جمعت بين بطلان الأساس وانتفاء الأثر.
والخلاصة أن من تزوجت غير مطلّقها ثلاثاً ثم طُلّقت قبل أن يلمسها، لم تحل للأول بهذا الزواج وحده عند الجمهور، سواء كان الزواج الثاني زواج رغبة لم يتم دخوله، أو كان زواج تحليل باطلاً من أصله. والعقد ورقة مهمة في النكاح، لكنه في هذه المسألة ليس كل النكاح الذي عنته الآية وفسرته السنة.
رأي دار الإفتاء والأزهر
الموقف الموثق في مادة هذه المسألة هو موقف الأزهر الشريف من خلال لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية، وهي إحدى جهات الأزهر العلمية. فقد أفتت اللجنة في واقعة زواج تحليل لم يحصل فيه دخول بأن «هذا الزواج باطل لا يحل»، وأن السائلة «لا تحل بهذا الزواج لزوجها الأول؛ لأن ما بُني على باطل فهو باطل». وهذه الفتوى وإن وردت في واقعة تحليل، فإن علّتها، وهي بطلان الزواج وغياب الدخول المعتبر، تنسجم مع ضابط الجمهور في اشتراط الوطء في نكاح صحيح.
أما دار الإفتاء المصرية، فلم نقف في المادة الموثقة المتاحة على فتوى منشورة برقم محدد لها في هذه المسألة بعينها، فلا ننسب إليها هنا رقماً ولا نصاً لم يثبت في مراجع هذا المقال.
المراجع
– تفسير ابن كثير، تفسير الآية 230 من سورة البقرة
– صحيح البخاري، حديث امرأة رفاعة القرظي
– صحيح مسلم، حديث امرأة رفاعة القرظي
– فتوى لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف في واقعة زواج التحليل



