طلّقها طلاقاً بائناً وهي ليست حاملاً.. فهل تستحق نفقة العدّة أم لا شيء لها؟

المقدمة
تُعد نفقة المطلقة البائن غير الحامل من أشهر مسائل الأحوال الشخصية التي اختلف فيها الفقهاء اختلافاً واسعاً، وظل صداها حاضراً في المحاكم وبيوت الناس إلى اليوم. فبعد الطلاق البائن تقف المطلقة أمام سؤال مصيري يتعلق بمعيشتها في مدة العدة: هل تستحق النفقة والسكنى من مطلقها في هذه المدة، أم تستحق السكنى فقط، أم لا تستحق شيئاً من ذلك أصلاً؟
ومبعث الحيرة أن في المسألة حديثاً صحيحاً صريحاً في ظاهره ينفي النفقة والسكنى، وفي مقابلته موقف علني لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه رد فيه هذا الفهم وتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما فهمها. فانقسمت المذاهب الفقهية على إثر ذلك إلى ثلاثة أقوال مشهورة، وكل فريق متمسك بدليل يراه راجحاً. ومن هنا كان هذا السؤال من أكثر الأسئلة جدلاً، لأنه يجمع بين اختلاف الرواية والفهم، وبين أثر عملي مباشر في حياة المطلقات وقضايا النفقة في مصر وغيرها.
الإجابة فقهياً بالأدلة
اتفق الفقهاء أولاً على حالة لا خلاف فيها، وهي المطلقة البائن إذا كانت حاملاً، فإن لها النفقة بالإجماع. ودليل ذلك قول الله تعالى في سورة الطلاق، الآية 6: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. فالنص القرآني صريح في وجوب الإنفاق على الحامل حتى تضع حملها، وقد نقل كتاب «الفقه الميسر» هذا الإجماع في باب نفقة المطلقة. أما محل الخلاف فهو البائن غير الحامل، وقد اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال.
القول الأول: أن لها النفقة والسكنى معاً. وهذا مذهب الحنفية. واستدلوا بما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سمع حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها في أن المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها ولا سكنى، فقال: «لا ندع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت». وكان عمر رضي الله عنه يجعل للمطلقة البائن السكنى والنفقة. فالحنفية أخذوا بموقف عمر، ورأوا أن عمومات النصوص القرآنية في إسكان المطلقات والإنفاق عليهن في العدة أولى بالتقديم من خبر الواحد الذي احتمل عندهم النسيان أو خصوصية السبب.
والقول الثاني: أنه لا نفقة لها ولا سكنى. وهذا مذهب الإمام أحمد وإسحاق وأبي ثور وداود. واستدلوا بظاهر حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها الثابت في الصحيحين، والذي جاء عند مسلم في كتاب الطلاق أن المطلقة ثلاثاً ليس لها نفقة ولا سكنى عند زوجها. فقد أخبرت فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة حين طلقها زوجها ثلاثاً. فتمسك أصحاب هذا القول بظاهر الحديث الصحيح، ورأوا أنه نص في المسألة لا يُعدل عنه.
والقول الثالث: أن لها السكنى دون النفقة. وهذا مذهب مالك والشافعي. فقد جمع أصحاب هذا القول بين الأدلة، فأثبتوا لها السكنى أخذاً بعموم الأمر بإسكان المطلقات، ونفوا عنها النفقة أخذاً بحديث فاطمة بنت قيس في نفي النفقة عن المطلقة ثلاثاً غير الحامل. فكان قولهم وسطاً بين القولين السابقين: لا نفقة كاملة ولا حرمان كامل، بل سكنى ثابتة ونفقة منفية.
وسبب هذا الانقسام الثلاثي كله حديث واحد صحيح، هو حديث فاطمة بنت قيس، أنكره عمر بن الخطاب رضي الله عنه علناً، ووقفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أيضاً مع الإنكار على فاطمة في روايتها وفهمها. فمن قدّم موقف عمر وعمومات القرآن قال بالنفقة والسكنى، ومن قدّم ظاهر الحديث الصحيح قال بانتفائهما معاً، ومن جمع بين الطرفين قال بالسكنى دون النفقة. وهو مثال واضح على كيف يمكن أن تتعدد المذاهب في مسألة واحدة مع صحة الدليل في أصله، بسبب اختلاف النظر في الجمع والترجيح والتخصيص.
وأما أثر هذا الخلاف عملياً في مصر، فإن العمل القضائي المصري يسير على مذهب الحنفية، فتستحق المطلقة البائن غير الحامل نفقة العدة والسكنى، لأن هذا القول هو الذي استقر عليه العمل عند غياب النص القطعي الحاسم، رغم أن مذهب الإمام أحمد يقول في المسألة نفسها بأنها لا تستحق شيئاً. وبذلك قد تحكم المحكمة في مصر بالنفقة في حالة يقول فيها مذهب معتبر آخر إن المستحق هو الصفر.
رأي دار الإفتاء والأزهر
لم نقف في المادة الموثقة لهذه المسألة على فتوى مرقمة بعينها لدار الإفتاء المصرية في نفقة البائن غير الحامل، كما لم نقف على فتوى مرقمة بعينها للأزهر الشريف أو مجمع البحوث الإسلامية في هذه المسألة بعينها، فلا يجوز اختراع رقم أو نسبة موقف محدد إلى أي منهما دون مصدر.
والذي يمكن قوله توثيقاً هو أن العمل القضائي المصري قائم عملياً على مذهب الحنفية القائل باستحقاق البائن غير الحامل للنفقة والسكنى، وهو المذهب المعمول به في محاكم الأحوال الشخصية في مصر في هذا الباب، في ظل الخلاف الفقهي الثلاثي المشهور الذي لم يحسمه نص قطعي الدلالة عند جميع العلماء.
المراجع
– كتاب الفقه الميسر، الجزء الخامس، باب نفقة المطلقة، المكتبة الشاملة
– صحيح مسلم، كتاب الطلاق، حديث فاطمة بنت قيس
– صحيح البخاري وصحيح مسلم، حديث فاطمة بنت قيس في المطلقة ثلاثاً
– سورة الطلاق، الآية 6

