قال لها في مجلس واحد: «أنتِ طالق بالثلاث».. فواحدة تُحسب أم ثلاثاً تُنهي كل شيء؟

المقدمة
قليل من الألفاظ يزلزل بيتاً كما يزلزله قول الرجل في لحظة غضب أو انفعال: «أنت طالق بالثلاث»، أو تكراره لفظ الطلاق ثلاث مرات متتابعة في مجلس واحد. فإذا هدأ الغضب وندم الزوج، بدأ السؤال الذي لا يحتمل التأجيل: هل وقعت ثلاث طلقات بانت بها زوجتي بينونة كبرى فلا تحل لي حتى تنكح زوجاً غيري، أم وقعت طلقة واحدة رجعية ما زلت أملك فيها المراجعة ما دامت العدة قائمة؟ والفرق بين الجوابين فرق بين استمرار الأسرة وانقطاعها انقطاعاً شبه نهائي.
وهذا السؤال من أكثر الأسئلة التي ترد على دور الإفتاء والمحاكم في مصر، لأن صيغة الطلاق المقترن بالعدد شائعة في كلام الناس. وقد اجتمع في المسألة خلاف فقهي قديم، ثم جاء القانون المصري منذ عام 1929 فحسم الموقف تشريعياً بقاعدة واضحة، تبعتها فتاوى دار الإفتاء المصرية.
الإجابة فقهياً بالأدلة
الأصل التاريخي في هذه المسألة ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح مسلم، كتاب الطلاق، أن الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فلما تتابع الناس في الطلاق قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. فدل الحديث على أن الثلاث المجموعة في مجلس واحد كانت تُحسب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصدر الخلافة الراشدة طلقة واحدة، ثم ألزم عمر رضي الله عنه الناس بالثلاث إمضاء وتأديباً لهم على استعجالهم ومخالفتهم السنة في تفريق الطلقات.
وعلى فهم هذا الحديث وأثر عمر رضي الله عنه انقسم الفقهاء. فذهب جمهور الفقهاء المتقدمين إلى أن من طلق امرأته ثلاثاً بلفظ واحد، أو كرر الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد، وقعت الثلاث كاملة، وبانت منه المرأة بينونة كبرى لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً مقصوداً. وحجتهم أن إمضاء عمر رضي الله عنه للثلاث صار هو الحكم المستقر، وأن لفظ الزوج الصريح المقترن بالعدد يجب أن يترتب عليه أثره كاملاً، ولا يلغى منه ما زاد على الواحدة.
وذهب فريق آخر، مستدلاً بحديث ابن عباس رضي الله عنهما وبأن ما فعله عمر كان سياسة وتأديباً لزمانه، إلى أن الثلاث المجموعة طلقة واحدة؛ لأن الله تعالى شرع الطلاق مرة بعد مرة، فمن جمع ما شرعه الله مفرقاً لم يملك إلا طلقة واحدة. وقد نُقل هذا القول عن عدد من الصحابة والتابعين، كما سيأتي في نص فتوى دار الإفتاء المصرية.
أما في مصر، فقد حسم القانون المسألة نصاً. فقد نصت المادة الثالثة من القانون رقم 25 لسنة 1929 على أن: «الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة لا يقع إلا واحدة». وهذا النص يشمل صورتين: أن يقترن لفظ الطلاق الواحد بعدد، كقوله: «أنت طالق ثلاثاً» أو «طالق بالثلاثة»، وأن يكرر لفظ الطلاق متتابعاً في مجلس واحد ونفَس واحد، كقوله: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق».
وقد فسرت فتاوى دار الإفتاء المصرية هذه المادة وبينت سندها الفقهي. فجاء في فتاوى دار الإفتاء المصرية، الجزء الثاني، في الفتوى المتعلقة بالمادتين 2 و3 من القانون رقم 25 لسنة 1929، الصادرة عن المفتي جاد الحق علي جاد الحق سنة 1981، أن الطلاق المتتابع في نفَس واحد بقول الرجل: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق» هو «من مشمولات المادة الثالثة… ويقع به طلقة واحدة رجعية».
وبينت الفتوى أن هذا الأخذ الذي اختاره القانون المصري «مأخوذ من فقه محمد بن إسحاق، ومنقول عن علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير… وقد أفتى به عكرمة وداود، وقال ابن القيم إنه رأي أكثر الصحابة». فالقانون المصري ودار الإفتاء المصرية لم يأتيا بقول لا أصل له في التراث الفقهي، وإنما رجحا قولاً منقولاً عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، وهو الموافق لما كان عليه العمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه كما في حديث ابن عباس، ورجعا بالحكم إلى أصله الأول منذ سنة 1929، في مقابل قول الجمهور المتقدمين القائل بوقوع الثلاث كاملة والبينونة الكبرى.
ويترتب على هذا الحكم المصري فرق عملي بالغ الأهمية: فمن قال لزوجته «أنت طالق بالثلاثة» أو كرر الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد، لم تبن منه زوجته بينونة كبرى، وإنما تقع عليه طلقة واحدة رجعية، له أن يراجعها ما دامت في العدة من غير حاجة إلى عقد جديد، فإذا انقضت العدة من غير مراجعة بانت بينونة صغرى لا تعود إليه إلا بعقد ومهر جديدين برضاها. ولا بد هنا من التنبيه إلى أن كون الطلقة رجعية مشروط بألا تكون هذه الطلقة هي المكملة لثلاث طلقات متفرقات سابقة؛ فإن كان قد سبقها طلقتان في مجالس أخرى، كانت هذه الواحدة هي الثالثة المكملة، وبانت بها المرأة بينونة كبرى ولو كانت وحدها في مجلسها. كما أن تكرار الطلاق في مجالس متفرقة، أو بعد مراجعة، له حكم آخر غير حكم التكرار في النفس الواحد والمجلس الواحد، ولذلك لا تنضبط الفتوى إلا بعرض الواقعة كاملة بعدد المجالس والطلقات السابقة.
رأي دار الإفتاء والأزهر
موقف دار الإفتاء المصرية في هذه المسألة موثق ومنشور في فتاواها، وهو الموافق لنص المادة الثالثة من القانون رقم 25 لسنة 1929؛ فقد جاء في فتاوى دار الإفتاء المصرية، الجزء الثاني، في فتوى المفتي جاد الحق علي جاد الحق سنة 1981، بشأن المادتين 2 و3 من القانون المذكور، أن الطلاق المقترن بعدد أو المتتابع في نفس واحد لا يقع به إلا طلقة واحدة رجعية، مع بيان مستنده من أقوال الصحابة والتابعين ومن قال به من الفقهاء كما تقدم نقله. وعلى هذا استقرت الفتوى والقضاء في مصر منذ صدور القانون سنة 1929.
ولم نقف على فتوى منشورة للأزهر في هذه المسألة بعينها، فلا ننسب إليه ولا إلى مجمع البحوث الإسلامية موقفاً خاصاً لم يرد في المادة الموثقة، وإن كان الحكم القانوني المعمول به في المحاكم المصرية هو المرجع العملي عند التقاضي في وقائع الطلاق المقترن بعدد، بصرف النظر عن الخلاف الفقهي النظري بين المذاهب.
ويظل الرجوع إلى دار الإفتاء أو المحكمة في الواقعة المعينة ضرورياً؛ لأن تحديد كون التكرار وقع في مجلس واحد أو مجالس متعددة مسائل وقائعية لا يكفي فيها الحكم العام وحده.
المراجع
– فتاوى دار الإفتاء المصرية، الجزء الثاني، فتوى «المادتان 2 و3 من القانون رقم 25 لسنة 1929»، المفتي جاد الحق علي جاد الحق، 1981
– قانون الأحوال الشخصية رقم 25 لسنة 1929، المادة الثالثة
– صحيح مسلم، كتاب الطلاق، حديث ابن عباس رضي الله عنهما

