Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.

توفّي زوجها وهي حامل في شهرها الثاني.. فمتى تنتهي عدّتها: بوضع الحمل أم بمرور الشهور؟

المقدمة

إذا توفي الزوج عن امرأة حامل في أول شهور حملها، كما لو كانت في الشهر الثاني، وقفت المرأة وأهلها أمام سؤال مؤلم ومحير في وقت واحد: متى تنتهي عدتها؟ هل تنتهي بوضع الحمل ولو جاء الوضع مبكراً بعد الوفاة بمدة قصيرة؟ أم لا بد أن تمكث أربعة أشهر وعشرة أيام كاملة هي عدة المتوفى عنها زوجها، حتى لو وضعت قبل ذلك؟

ومنشأ الحيرة أن في كتاب الله آيتين يبدو بينهما في الظاهر نوع تعارض: آية تجعل عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً من غير تفصيل بين حامل وغيرها، وآية أخرى تجعل أجل الحوامل أن يضعن حملهن من غير تفصيل بين مطلقة ومتوفى عنها. وبين الآيتين اختلف الصحابة أنفسهم أول الأمر، فقال بعض كبارهم بالجمع بينهما احتياطاً، وقال جمهور العلماء بتخصيص إحداهما بالحديث النبوي الصحيح الوارد في واقعة بعينها. ولذلك صارت هذه المسألة من أشهر أمثلة تعارض الظواهر في كتب أصول الفقه والتفسير.

الإجابة فقهياً بالأدلة

قال الله تعالى في سورة البقرة، الآية 234، في عدة المتوفى عنها زوجها: إنها تتربص بنفسها أربعة أشهر وعشراً. وقال سبحانه في سورة الطلاق، الآية 4: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. فالآية الأولى عامة في كل متوفى عنها، والثانية عامة في كل حامل، فإذا اجتمع الوصفان في امرأة واحدة، بأن توفي عنها زوجها وهي حامل، احتاج العلماء إلى الجمع أو الترجيح بين النصين.

ومذهب جمهور العلماء أن عدة الحامل تنتهي بوضع حملها مطلقاً، سواء كانت مطلقة أم متوفى عنها زوجها، وسواء وضعت بعد الوفاة بمدة طويلة أم بليال قليلة. وقد نقل تفسير ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، عند تفسير الآية الرابعة من سورة الطلاق هذا المذهب بقوله: «عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر العلماء عامةٌ في المطلقات والمتوفى عنهنّ، فمتى كانت إحداهن حاملاً فعدتها وضع حملها». فنص ابن جزي على أن الآية عند الأئمة الثلاثة وسائر العلماء عامة تشمل المتوفى عنها كما تشمل المطلقة، فلا فرق بينهما متى وجد الحمل.

وحجة الجمهور الكبرى هي حديث سبيعة الأسلمية رضي الله عنها، وهو حديث متفق عليه رواه البخاري ومسلم. فقد توفي زوج سبيعة وهي حامل، فوضعت حملها بعد وفاته بليال، فأفتاها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها قد حلّت، أي انتهت عدتها بوضع الحمل. فدلت هذه الواقعة النبوية الصريحة على أن وضع الحمل ينهي عدة المتوفى عنها ولو لم تمض أربعة أشهر وعشر، وأن آية الطلاق مخصصة لعموم آية البقرة في حق الحامل، أو مبينة لانتهاء عدتها بالوضع. ولولا هذا الحديث لبقي التعارض الظاهري قائماً، لكن السنة جاءت فاصلة في محل النزاع عند الجمهور.

وفي مقابل قول الجمهور، نُقل عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أنهما قالا: إنما آية أولات الأحمال في المطلقات الحوامل خاصة، وأما المتوفى عنها إذا كانت حاملاً فعدتها عندهما أبعد الأجلين، أي تنتظر أطول المدتين: إما وضع الحمل إذا تأخر عن أربعة أشهر وعشر، وإما انقضاء الأربعة الأشهر وعشراً إذا وضعت قبل ذلك. فجمع علي وابن عباس رضي الله عنهم بين الآيتين جمع احتياط، بحيث تعمل المرأة بكلتا الآيتين ولا تخرج من العدة إلا بيقين. وقد ذُكر أن ابن عباس رضي الله عنهما رجع إلى قول الجمهور لما بلغه حديث سبيعة الأسلمية، لأن الحديث نص في واقعة متوفى عنها حامل أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم بالحِلّ بعد الوضع بليال.

وبهذا يظهر الفرق العملي الكبير بين القولين بمثال واحد واضح: امرأة توفي عنها زوجها وهي حامل، فوضعت بعد أسبوع واحد من الوفاة. فعند جمهور العلماء انتهت عدتها بهذا الوضع، وحلّت للأزواج، لا تنتظر شيئاً بعد ذلك بسبب الوفاة. أما على القول بأبعد الأجلين، فإنها رغم وضعها الحمل لا تنتهي عدتها حتى تكمل أربعة أشهر وعشراً من يوم الوفاة. ولو تأخر وضعها إلى الشهر السادس مثلاً، فعدتها عند الفريقين جميعاً هي وضع الحمل لأنه أبعد الأجلين. فالخلاف إنما يظهر عملياً في الوضع المبكر قبل تمام الأربعة الأشهر وعشر.

والمشهور المعتمد عند جمهور المتأخرين هو قول الجمهور الأول، لصراحة حديث سبيعة المتفق على صحته ووروده في عين المسألة، فلا يبقى معه مجال للاحتياط المخالف للنص النبوي عندهم. وعلى هذا، فالمرأة الحامل في الشهر الثاني إذا توفي عنها زوجها، عدتها عند الجمهور أن تضع حملها، متى وضعت استوفت عدتها، قصُرت المدة أم طالت.

رأي دار الإفتاء والأزهر

لم نقف في المادة الموثقة لهذه المسألة على فتوى منشورة برقم محدد لدار الإفتاء المصرية في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بعينها، كما لم نقف على فتوى منشورة برقم محدد للأزهر الشريف أو مجمع البحوث الإسلامية في هذه المسألة بعينها، فلا يصح نسبة رقم أو موقف خاص إلى أي منهما دون مصدر موثق.

والذي يمكن تقريره توثيقاً هو أن العمل العام في كتب الفقه والتفسير وعند جمهور العلماء على القول الأول، وهو انتهاء عدة الحامل المتوفى عنها بوضع حملها، استناداً إلى آية الطلاق وحديث سبيعة الأسلمية المتفق عليه، وهو القول المنقول عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر العلماء كما حكاه ابن جزي.

المراجع

– تفسير ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، تفسير الآية 4 من سورة الطلاق

– صحيح البخاري وصحيح مسلم، حديث سبيعة الأسلمية

– كتاب تيسير أصول الفقه للمبتدئين، المكتبة الشاملة

– سورة البقرة، الآية 234

– سورة الطلاق، الآية 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى