طلّق وهو سكران.. وآخر تحت التهديد.. وثالث يمزح.. فهل تتساوى الأحكام الثلاثة؟

المقدمة
ثلاث صور تتكرر في خلافات الأسر، ويجمعها في أذهان الناس معنى واحد: الرجل لم يكن قاصداً الطلاق قصداً جاداً. رجل طلّق وهو سكران لا يعي ما يقول، وآخر أُجبر وهدّد حتى نطق بالطلاق، وثالث قال اللفظ مازحاً أمام أصحابه ثم ندم. فيسأل الناس: هل الثلاثة سواء؟ وهل يقع الطلاق فيهم جميعاً أم لا يقع فيهم جميعاً؟
والحقيقة أن الفقه الإسلامي والقانون المصري لم يعاملا الصور الثلاث معاملة واحدة، بل فرّقا بينها تفريقاً دقيقاً قد يبدو مفاجئاً؛ فبعضها لا يقع فيه الطلاق عند الجمهور، وبعضها يقع رغم غياب الجدّ، وبين الفقه والقانون فروق يجب أن تُعرف قبل أن يتصرف أحد على أساس ظنه.
الإجابة فقهياً بالأدلة
الطلاق في أصله تصرف شرعي خطير جعله الله بيد الزوج ضمن حدود بيّنها في سورة البقرة، الآية 229: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وفي سورة الطلاق، الآية 1، أمر الله بإيقاع الطلاق لعدّته وبإحصاء العدة. وهذا التأطير الشرعي يدل على أن الطلاق ليس لفظاً عابراً يُلقى في أي حال، بل تصرف له شروط وأحوال تؤثر في اعتباره.
أما الصورة الأولى، وهي طلاق المكرَه، فقد نقل بحث «حقوق الأسرة في الفقه الإسلامي» المنشور في شبكة الألوكة أن «جمهور الفقهاء يقولون: إن الزوج إذا أُكره على التلفظ بكلمة الطلاق فإن اللفظ الصادر منه غير معتبَر، ولا يقع به طلاق». وعلة ذلك عند الجمهور أن الإكراه المعتبر يرفع القصد والاختيار، واللفظ الصادر تحت التهديد الحقيقي لا يعبر عن إرادة صاحبه. وخالف الحنفية الجمهور في هذه الصورة، فقالوا بوقوع طلاق المكرَه، وهو خلاف مشهور في كتب المذاهب يجب أن يُنقل كما هو من غير تهوين.
والصورة الثانية هي طلاق السكران. وقد فرّق جمهور العلماء، كما نقل بحث الألوكة نفسه، «بين السكر بمحرّم والسكر بغير محرم؛ فمن سكر بمحرم يقع طلاقه عقاباً له». فمن شرب الخمر أو تعاطى ما يزيل عقله باختياره ومعصيته، عامله الجمهور بإيقاع طلاقه زجراً له، لأنه هو من تسبب في زوال عقله بفعل محرم. أما من زال عقله بسبب غير محرم، كدواء أو إكراه على الشرب، فحاله عندهم مختلف، إذ لا ذنب له في زوال وعيه.
غير أن القانون المصري أخذ في هذه الصورة بخلاف تفريق الجمهور، فنصّت المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 على أنه «لا يقع طلاق السكران والمكره». وبذلك ساوى القانون المصري بين السكران والمكره في الحكم، فلا يقع طلاق أي منهما مطلقاً في التطبيق القانوني، سواء كان السكر بمحرم أو بغيره. وهذه مساواة قانونية لا توجد بهذا الإطلاق في أقوال الجمهور، ومن هنا يقع كثير من الخلط بين ما هو فقه مذهبي وما هو ملزم أمام القضاء.
والصورة الثالثة هي طلاق الهازل، وهو الذي يتلفظ بالطلاق مازحاً غير قاصد إنشاء أثره. وحكمه عند جمهور العلماء أن طلاقه واقع، استدلالاً بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثٌ جدُّهنّ جدٌّ وهزلُهنّ جد: النكاح والطلاق والرجعة»، رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن غريب. ووجه الاستدلال أن الشرع أغلق باب التلاعب بهذه التصرفات العظيمة، فمن نطق بلفظ الطلاق الصريح لزمه أثره ولو ادعى المزاح، لأن الأسر لا تُبنى وتُهدم على سبيل العبث. وخالف بعض الفقهاء في الهازل، فاشترطوا لوقوع الطلاق وجود النية والقصد، لكن قول الجمهور هو المشهور، وهو ما يجري به العمل، إذ يُحاسَب الهازل على هزله في هذا الباب بطلقة كاملة.
وعند جمع الصور الثلاث يظهر الجدل الحقيقي: ثلاث حالات غاب فيها القصد الجاد، لكن أحكامها متعاكسة. فالمكره لا يقع طلاقه عند الجمهور ويقع عند الحنفية، والسكران بمحرم يقع طلاقه عند الجمهور عقوبة له ولا يقع أصلاً في القانون المصري، والهازل يقع طلاقه عند الجمهور والقانون رغم أنه لم يقصد الجد. فليست العبرة إذن بوحدة الشعور الداخلي، بل بطبيعة السبب الذي غاب معه القصد: إكراه من الغير، أو زوال عقل بتسبب من الرجل أو بغير تسببه، أو تلاعب اختياري بلفظ شرعي خطير.
والخلاصة العملية أن من وقع في إحدى هذه الصور فلا يفتي نفسه بنفسه، لأن الحكم يختلف باختلاف المذهب المتبع وباختلاف القانون الواجب التطبيق وباختلاف تفاصيل الإكراه أو السكر أو الهزل. والرجوع إلى جهة إفتاء أو إلى القضاء المختص بعرض الواقعة كاملة هو الطريق الآمن، خاصة وأن الطلقة إذا حُسبت غيّرت عدد الطلقات وحلّ المرأة وحق الرجعة.
رأي دار الإفتاء والأزهر
الحكم في هذه المسألة في المادة الموثقة المتاحة حكم فقهي مذهبي وحكم قانوني مصري منصوص عليه في المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929، ولم نقف على فتوى منشورة بعينها برقم محدد لدار الإفتاء المصرية في هذه الصور الثلاث مجتمعة، ولم نقف كذلك على فتوى منشورة بعينها للأزهر الشريف أو لمجمع البحوث الإسلامية فيها. لذلك لا ننسب إلى أي من الجهتين موقفاً خاصاً مرقّماً في هذا المقال، ونكتفي بنقل أقوال الجمهور والحنفية ونص القانون كما وردت في مراجع المسألة.
المراجع
– شبكة الألوكة، بحث «حقوق الأسرة في الفقه الإسلامي»
– المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929، المادة الأولى
– سنن الترمذي، حديث «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد»
– سنن أبي داود، حديث «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد»
– سنن ابن ماجه، حديث «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد»


