«عليّ الطلاق» ردّدها مئة مرة في غضبه.. فهل طلّق زوجته مئة مرة؟ أم أن للحكم وجهاً آخر؟

المقدمة
لا تكاد تخلو مجالس الرجال في مصر من عبارة «عليَّ الطلاق»، تُقال في البيع والشراء، وفي الدعوة إلى الطعام، وفي إثبات صدق الكلام، وفي الحث على فعل شيء أو المنع منه. يقولها الرجل مرة وعشراً ومائة مرة، وهو في غالب أحواله لا يقصد تطليق امرأته ولا يخطر بباله هدم بيته، وإنما يقصد توكيد كلامه وحمل نفسه أو غيره على أمر. فإذا وقع المحلوف عليه، أو خالف ما حلف عليه، قام السؤال المخيف: هل طلقت زوجتي بهذه الأيمان كلها، وربما بانت مني بعد المرة الثالثة؟ أم أن هذه الصيغة لا تعدو أن تكون يميناً لها حكم الأيمان؟
وهذا السؤال من أشهر الأسئلة الجدلية في أبواب الطلاق، لأن فيه تصادماً ظاهراً بين ما اشتهر عند جمهور الفقهاء المتقدمين في الطلاق المعلق، وبين ما استقر عليه القانون المصري وفتاوى دار الإفتاء المصرية منذ سنة 1929 من أن الحلف بالطلاق لغو لا يقع به طلاق. وبين القولين تعيش أسر كثيرة في قلق لا مبرر له أحياناً، أو في تساهل خطير أحياناً أخرى، حتى يتبين الحكم موثقاً بمصادره.
الإجابة فقهياً بالأدلة
صورة المسألة أن يقول الرجل: «عليَّ الطلاق ما أفعل كذا»، أو «عليَّ الطلاق لتفعلن كذا»، فتكون الصيغة في ظاهرها تعليقاً للطلاق على فعل شيء أو تركه، لكن قصد قائلها الحقيقي ليس إيقاع الطلاق عند تحقق الشرط، وإنما الحلف والتوكيد والحمل على الفعل أو الترك. فهل يعامل هذا الكلام بظاهره فيقع به الطلاق عند الحنث، أم يعامل بحقيقته وقصد صاحبه فيكون يميناً لا طلاقاً؟
ذهب جمهور الفقهاء، وهم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، إلى أن الطلاق المعلق يقع عند تحقق شرطه، ولو كانت صيغته صيغة حلف قصد بها الحث على فعل أو المنع من فعل؛ لأن العبرة عندهم بصيغة التعليق التي صدرت من الزوج، فمتى وجد الشرط وجد المشروط وهو الطلاق. وبناء على هذا القول، فمن قال: «عليَّ الطلاق ما أفعل كذا» ثم فعل المحلوف على تركه، طلقت امرأته، وتعددت الطلقات بتعدد الأيمان ما لم ينو التأكيد. وهذا هو القول المشهور الذي يخيف كثيراً من الناس حين يسمعون به.
وذهب الظاهرية، وابن حزم منهم، إلى أن الحلف بالطلاق لا يقع به طلاق أصلاً؛ لأنه ليس طلاقاً منجزاً ولا مقصوداً لذاته، وإنما هو يمين بغير الله لا يترتب عليها حكم الطلاق.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى التفصيل بحسب نية الحالف وقصده؛ فإن قصد بهذا اللفظ إيقاع الطلاق فعلاً عند تحقق الشرط وقع الطلاق، وإن قصد مجرد اليمين والحث والمنع والتوكيد، كما هو حال أكثر الحالفين، فلا يقع به طلاق، وإنما تجب فيه عند الحنث كفارة يمين. وهذا التفصيل هو الذي أخذ به القانون المصري في الجملة، كما سيأتي.
ففي كفارة اليمين يقول الله تعالى في سورة المائدة، الآية 89: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾. فمن حلف بالطلاق قاصداً اليمين ثم حنث، فعليه هذه الكفارة مرتبة كما في الآية: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يستطع فصيام ثلاثة أيام، ولا ينتقل إلى الصيام إلا عند العجز عما قبله.
أما الحكم في مصر قانوناً وفتوى، فقد نصت المادة الثانية من القانون رقم 25 لسنة 1929 على أنه لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه. وبناء على هذا النص جاءت فتاوى دار الإفتاء المصرية صريحة ومتكررة. فقد جاء في فتاوى دار الإفتاء المصرية، بفتوى المفتي حسن مأمون سنة 1955، أن «قول الرجل لزوجته (عليَّ الطلاق ما أفعل كذا) من قبيل الحلف بالطلاق، والحلف بالطلاق لغو لا يقع به شيء من الطلاق، وإنما يجب فيه عند الحنث كفارة يمين»، وذلك طبقاً للمادة الثانية من القانون رقم 25 لسنة 1929 التي تقضي بأن لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه.
وجاء في فتوى لاحقة للمفتي أحمد هريدي سنة 1963 المعنى نفسه مؤكداً: «الحلف بالطلاق… لغو لا يقع به شيء، سواء وقع المحلوف عليه أم لا». فالحكم المستقر في مصر أن عبارة «عليَّ الطلاق» إذا كانت بصيغة الحلف للحث أو المنع أو التوكيد لا توقع طلاقاً ولو تكررت مائة مرة، ولا تبين بها الزوجة، وإنما يلزم الحالف عند حنثه كفارة يمين واحدة عن يمينه بحسب قصده وتعدد محلوفه، ما لم يقصد باللفظ إيقاع الطلاق المنجز أو المعلَّق قصداً حقيقياً، فتلك صورة أخرى تُعرض على الإفتاء بتفاصيلها.
ولا يعني هذا الحكم التهاون في هذه الصيغة؛ فالحلف بالطلاق عادة ذميمة نهي عنها العلماء، لما فيها من تعريض حرمة النكاح لكلام المجالس اليومي، ولما تثيره من شكوك وقلق في البيوت. والواجب على الرجل أن يصون لسانه عنها أصلاً، فإن بدرت منه وحنث فليبادر إلى كفارة اليمين كما في آية سورة المائدة، وليعلم أن تكرار الحلف لا يحوله في الحكم المصري إلى طلقات متعددة ما دام قصد اليمين ثابتاً.
رأي دار الإفتاء والأزهر
موقف دار الإفتاء المصرية في هذه المسألة موثق بفتويين منشورتين. الأولى فتوى المفتي حسن مأمون سنة 1955، ونصها أن قول الرجل لزوجته «عليَّ الطلاق ما أفعل كذا» من قبيل الحلف بالطلاق، وأن الحلف بالطلاق لغو لا يقع به شيء من الطلاق، وإنما يجب فيه عند الحنث كفارة يمين، استناداً إلى المادة الثانية من القانون رقم 25 لسنة 1929. والثانية فتوى المفتي أحمد هريدي سنة 1963، ونصها أن الحلف بالطلاق لغو لا يقع به شيء سواء وقع المحلوف عليه أم لا. فدار الإفتاء المصرية والقانون المصري متفقان على أن هذه الصيغة لا تهدم الزوجية، وأن أثرها الشرعي الوحيد عند الحنث هو كفارة اليمين.
ولم نقف على فتوى منشورة للأزهر في هذه المسألة بعينها، فلا ننسب إليه ولا إلى مجمع البحوث الإسلامية نصاً أو موقفاً خاصاً لم يرد في المادة الموثقة لهذا المقال.
ومع وضوح هذا الموقف، تبقى الحالات التي اختلط فيها قصد اليمين بقصد الطلاق، أو صدرت فيها صيغ منجزة صريحة إلى جانب صيغ الحلف، محتاجة إلى عرضها على دار الإفتاء بتفاصيل ألفاظها ووقائعها؛ لأن الحكم يدور مع القصد والصيغة معاً، والفتوى العامة لا تغني عن فتوى الواقعة المعينة.
المراجع
– فتاوى دار الإفتاء المصرية، المفتي حسن مأمون، 1955
– فتاوى دار الإفتاء المصرية، المفتي أحمد هريدي، 1963
– قانون رقم 25 لسنة 1929، المادة الثانية
– القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 89



