تزوّجها وطلّقها قبل أن يمسّها.. فهل عليها عدّة؟ وأين يذهب مهرها؟

المقدمة
من أكثر الأسئلة التي تتردد في بيوت كثيرة، وتثير حيرة حقيقية عند الأسر، سؤال المرأة التي عُقد عليها عقد الزواج الشرعي الصحيح، ثم طلقها زوجها قبل أن يدخل بها وقبل أن تجري بينهما حياة زوجية فعلية. فالناس يعتادون أن الطلاق يرتبط دائماً بالعدة، وأن المهر حق كامل للمرأة بمجرد العقد، فيظنون أن الحكم واحد في كل الأحوال، سواء حدث الدخول أم لم يحدث، وسواء حصلت خلوة صحيحة أم لم تحصل. ومن هنا ينشأ الجدل والخلاف بين أهل الزوج وأهل الزوجة، وتختلط الأحكام الشرعية بالأعراف الاجتماعية وبالمشاعر الإنسانية التي تصاحب فسخ مشروع زواج لم يكتمل.
والحقيقة أن الشريعة الإسلامية فرقت تفريقاً دقيقاً بين الطلاق قبل الدخول والطلاق بعده، لأن العدة شرعت لحكم عظيمة، منها التأكد من براءة الرحم، وإعطاء فرصة للمراجعة بين الزوجين، وهذه الحكم تنتفي أو تتغير صورتها إذا وقع الطلاق قبل أي معاشرة زوجية. كما فرقت الشريعة كذلك بين المهر المسمى في العقد والمهر غير المسمى، وبين حالة الطلاق وحالة الوفاة، فجاءت الأحكام مفصلة وواضحة بنصوص القرآن الكريم، لا تحتمل الاجتهاد فيما ورد فيه النص، وإن كان فهم الناس لها يحتاج إلى بيان هادئ موثق.
الإجابة فقهياً بالأدلة
الأصل في هذه المسألة قوله تعالى في سورة الأحزاب، الآية 49: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. فالآية صريحة في أن المطلقة قبل المسيس، أي قبل الدخول الحقيقي، لا عدة عليها أصلاً، فيجوز لها شرعاً أن تتزوج من غير طليقها من الغد مباشرة بعد وقوع الطلاق، لأن العلة التي من أجلها شرعت العدة غير موجودة هنا، ولا يوجد احتمال اختلاط أنساب ولا رحم يحتاج إلى استبراء.
وهذا الحكم مقيد في مادة الفتوى المعتمدة بأن يكون الطلاق قبل الدخول وقبل الخلوة الصحيحة أيضاً، فإذا انعدما معاً وقع الطلاق بائناً بينونة صغرى، فلا تحل المرأة لطليقها بعد ذلك إلا بعقد جديد ومهر جديد وبشروط العقد المعتبرة شرعاً وبرضاها، ولا يملك الزوج مراجعتها في عدة، لأنه لا عدة أصلاً حتى يراجع فيها. وهذه البينونة هي الفارق الجوهري بين هذه الصورة وبين طلاق المدخول بها، التي تعتد وتبقى في حكم الزوجية خلال عدتها ما لم تكن الطلقة ثالثة.
وأما المهر، فقد قال الله تعالى في سورة البقرة، الآية 237: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. فإذا كان المهر قد سمي واتفق عليه في العقد، استحقت المطلقة قبل الدخول نصفه كاملاً بنص الآية، سواء كان المهر معجلاً أو مؤجلاً، وسواء قبضته أو لم تقبضه، فالنصف هنا حكم شرعي لازم، لا يجوز إنقاصه إلا بعفو مستحق المهر نفسه برضاه، كما دلت الآية على استحباب العفو وعدم نسيان الفضل.
فإن لم يكن قد سمي لها مهر في العقد أصلاً، انتقل الحكم إلى المتعة، لقوله تعالى في سورة البقرة، الآية 236: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. فالمتعة حينئذ تقدر بحسب حال الزوج يساراً وإعساراً وبالمعروف، وهي تعويض شرعي جابر لخاطر المرأة في صورة لم يفرض لها فيها مهر محدد.
ويستثنى من هذا كله صورتان تغيران الحكم تغييراً كاملاً ويثير فهمهما دهشة كثيرين. الأولى: إذا حصلت خلوة صحيحة بين الزوجين، وإن لم يقع دخول حقيقي، فقد ذهبت لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية إلى أن الخلوة الصحيحة تنزل منزلة الدخول في ترتيب الآثار هنا، فيستقر للمرأة كامل المهر وتجب عليها العدة كاملة إذا طلقها بعدها، لأن الخلوة مظنة المسيس ومقامها مقامه في هذا الباب عند هذا القول المفتى به في المادة. والثانية: إذا مات الزوج عن زوجته قبل الدخول بها، فالحكم يختلف اختلافاً صادماً عن حالة الطلاق، إذ تجب عليها عدة الوفاة كاملة أربعة أشهر وعشرة أيام، ويستقر لها كامل المهر، وترثه كما ترث المدخول بها، لأن الوفاة تنهي الزواج على حال كماله، فترتبت عليها آثار الزوجية التامة، بخلاف الطلاق قبل الدخول الذي رتب الشرع عليه التنصيف وعدم العدة بنص صريح.
رأي دار الإفتاء والأزهر
جاء في فتاوى دار الإفتاء المصرية عن المفتي جاد الحق علي جاد الحق النص الصريح الآتي: «الطلاق قبل الدخول والخلوة الصحيحة يقع بائنًا لا إلى عدة، وتستحق المرأة به نصف جميع المهر». فهذه الفتوى تجمع الأركان الثلاثة للمسألة في عبارة واحدة: البينونة، وانتفاء العدة، وتنصيف المهر، وهي مطابقة لنص آيتي الأحزاب والبقرة المتقدمتين.
كما قررت لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، في الفتوى المنقولة في مادة هذا السؤال، أن الطلاق قبل الدخول «يقع بائنًا، ولا تجب به العدة، ويتنصف به المهر إن سمّاه، ولا يقبل الرجعة، إلا بعقد جديد بشروطه المعتبرة… ولا يكون ذلك إلا برضا المرأة». فأكدت اللجنة أنه لا سبيل للزوج إلى إعادة زوجته بعد هذا الطلاق بمجرد المراجعة، بل لا بد من عقد جديد مستوفٍ لشروطه، ولا بد فيه من رضا المرأة رضاً صريحاً، لأنها بانت منه. كما فرقت اللجنة نفسها، كما تقدم، بين انعدام الخلوة ووجود الخلوة الصحيحة، فجعلت للخلوة أثر الدخول في استقرار كامل المهر ووجوب العدة. وبذلك تتفق دار الإفتاء المصرية ومجمع البحوث الإسلامية في أصل الحكم في هذه الصورة، وهو اتفاق مبني على نص القرآن لا على مجرد اختيار فقهي.
المراجع
– فتاوى دار الإفتاء المصرية، المفتي جاد الحق علي جاد الحق (1979)
– فتوى لجنة الفتوى بمجمع البحوث الإسلامية ودار الإفتاء المصرية (د. محمود شلبي)
– القرآن الكريم: سورة الأحزاب، الآية 49؛ سورة البقرة، الآيتان 236 و237

