تزوّجها ليومين فقط ليُحلّها لزوجها الأول.. فماذا قال النبي ﷺ عن هذا الزواج؟

المقدمة
من أكثر الأسئلة إثارة للحيرة والجدل بين الناس سؤال المرأة المطلقة ثلاثاً إذا أرادت الرجوع إلى زوجها الأول، إذ يلجأ بعض الناس إلى حيلة مكشوفة، فيتفقون مع رجل آخر على أن يتزوجها زواجاً صورياً مؤقتاً، يوماً أو يومين، ثم يطلقها لتعود إلى الأول. وينتشر هذا التصرف أحياناً بدافع العاطفة أو ضغط الأهل أو الرغبة في لمّ شمل الأسرة، لكنه يصطدم بنصوص شرعية صريحة شديدة اللهجة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم سمّى فاعله باسم منفّر، ولعن من يقدم عليه.
ويزداد الجدل حين يسمع الناس أن في المسألة خلافاً فقهياً، فيظن بعضهم أن وجود الخلاف يعني أن الباب مفتوح، بينما الحقيقة أن الخلاف في التفاصيل لا يلغي أصل التحريم عند جمهور العلماء، وأن فهم أقوال المذاهب يحتاج إلى نقل دقيق منسوب إلى أصحابه، لا إلى انتقاء ما يوافق الهوى.
الإجابة فقهياً بالأدلة
أصل المسألة في كتاب الله تعالى، قال الله عز وجل في سورة البقرة، الآية 230: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. فالآية علّقت حلّ المرأة لزوجها الأول بعد الطلقة الثالثة على أن تنكح زوجاً غيره نكاحاً حقيقياً، ثم يفارقها بموت أو طلاق، وتنقضي عدتها. ولم تجعل الآية هذا النكاح لعبة مؤقتة ولا عقداً يُراد به التحايل على الحكم الشرعي.
وجاءت السنة النبوية مبيّنة ومشدّدة في هذا الباب. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلَّل له»، رواه الترمذي وأبو داود. والمحلِّل هو الرجل الذي يتزوج المطلقة ثلاثاً ليحلّها لزوجها الأول، والمحلَّل له هو الزوج الأول. ودخول اللعن في الحديث يدل عند أهل العلم على أن الفعل كبيرة محرمة، إذ لا يكون اللعن إلا على أمر عظيم.
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «هو المحلِّل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له»، رواه ابن ماجه، رقم 1936. وتشبيه المحلِّل بالتيس المستعار تشبيه قصد به التنفير والتحقير لهذا الصنيع، لأن الرجل في هذه الصورة لا يتزوج رغبة في امرأة وبناء أسرة، بل يُستعار لغرض عابر ثم يُردّ، وهو معنى يتنافى مع مقصد النكاح في الإسلام القائم على المودة والسكن والدوام.
ويؤكد هذا المعنى حديث امرأة رفاعة القرظي رضي الله عنها، المتفق عليه في صحيح البخاري وصحيح مسلم، حين جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد طلّقها زوجها ثلاثاً وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، فأرادت الرجوع إلى الأول، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك». فدل الحديث على أن المراد نكاح حقيقي كامل، لا مجرد عقد صوري متفق على إنهائه سلفاً.
وبناء على هذه الأدلة قرر موقع الإسلام سؤال وجواب في جواب السؤال رقم 222367 أن نكاح التحليل «عقد محرّم فاسد، ويستحق فاعله اللعن»، مستدلاً بأحاديث اللعن وحديث التيس المستعار. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «نكاح المحلل حرام باطل لا يفيد الحل». وقال الشيخ ابن باز رحمه الله إن نكاح المحلل «باطل وليس بشرعي، ولا تحل للزوج الأول ما دامت نكحها بهذه النية»، أي بنية التحليل.
أما مذاهب الفقهاء، فجمهورهم، وهم المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية، على فساد نكاح التحليل إذا قامت نية التحليل، ولو لم يُشترط ذلك لفظاً في العقد. فالعبرة عندهم بالمقصد الباطن المتفق عليه، لا بمجرد صورة العقد الظاهرة، لأن التحايل على شرع الله لا يغيّر الحكم.
وداخل المذهب الحنفي تفصيل دقيق كثيراً ما يُنقل مبتوراً. فقد نُقل في كتاب «اللباب في شرح الكتاب» للغنيمي أن أبا حنيفة رحمه الله يرى أنه إذا شُرط التحليل في العقد فالنكاح صحيح مع الكراهة، وتحل المرأة للأول، محتجا بأن الشرع سمّاه «محلِّلاً»، والتسمية عنده تقتضي إثبات الحل. ويرى أبو يوسف رحمه الله أن النكاح فاسد، ولا تحل به المرأة للأول، موافقاً في ذلك الجمهور. ويرى محمد بن الحسن رحمه الله أن النكاح صحيح في ذاته، لكن المرأة لا تحل به للزوج الأول، ففرّق بين صحة العقد وبين حصول أثر التحليل. وهذا التفصيل، على دقته، لا يعني إباحة الحيلة عند عموم أهل العلم، ولا يصح أن يُتخذ ذريعة لترويج زواج متفق على إنهائه، مع ما ثبت في السنة من اللعن والتشبيه بالتيس المستعار.
والخلاصة الفقهية أن زواجاً يُعقد ليومين بقصد الطلاق والتحليل هو صورة نكاح التحليل المنهي عنه، وهو عند الجمهور فاسد لا تحل به المرأة لزوجها الأول، ومن أقدم عليه مع علمه بالحكم فقد عرّض نفسه لما جاء في الأحاديث من الوعيد الشديد.
رأي دار الإفتاء والأزهر
لم نقف على فتوى منشورة برقم محدد لدار الإفتاء المصرية في هذه المسألة بعينها ضمن المادة الموثقة المتاحة، ولم نقف كذلك على فتوى منشورة للأزهر الشريف أو لمجمع البحوث الإسلامية في واقعة التحليل هذه بذاتها. لذلك لا ننسب إلى أي من الجهتين موقفاً مرقّماً لم يثبت في المصادر المعتمدة لهذا المقال، ويبقى الحكم المنقول هنا هو ما قرره جمهور الفقهاء وما ورد في جواب موقع الإسلام سؤال وجواب وأقوال ابن تيمية وابن باز المنسوبة إليهم في مادة المسألة.
ومن أراد حكماً في واقعة شخصية محددة، فالأولى به أن يعرض تفاصيلها كاملة على جهة إفتاء معتبرة، لأن وقائع التحليل تتداخل فيها النية والشرط وطريقة العقد والطلاق، وكل عنصر منها قد يؤثر في وصف الحالة.
المراجع
– موقع الإسلام سؤال وجواب، سؤال رقم 222367
– سنن الترمذي، حديث لعن المحلِّل والمحلَّل له
– سنن أبي داود، حديث لعن المحلِّل والمحلَّل له
– سنن ابن ماجه، حديث التيس المستعار، رقم 1936
– اللباب في شرح الكتاب، للغنيمي
– صحيح البخاري وصحيح مسلم، حديث امرأة رفاعة القرظي

