Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.

طلّقها وانقضت عدّتها ثم ردّها بعقد جديد.. فكم طلقةً تبقّت في رصيده؟

المقدمة

حين تنتهي عدة المطلقة ولا يراجعها زوجها، تبين منه بينونة صغرى، فإذا أرادا العودة إلى الحياة الزوجية لم يكن أمامهما إلا عقد جديد بمهر جديد وبرضا المرأة ووليها وسائر شروط العقد. وهنا يقع سؤال دقيق يختلط على كثير من الناس، ويظن بعضهم أن العقد الجديد يمحو كل ما سبقه ويعيد الزوجين إلى صفحة بيضاء كأنهما لم يتزوجا من قبل، في حين يظن آخرون أن الطلقات السابقة تلاحقهما مهما تجدد العقد. وبين الظنين تقع أسر كاملة في حيرة، وربما بنت حياتها على فهم خاطئ، فإذا وقعت طلقة جديدة ظنت أنها الأولى وهي في الحقيقة الأخيرة التي تحرم بها المرأة على زوجها.

وزاد من شدة الجدل أن هناك صورة أخرى قريبة الشبه بهذه الصورة لكن حكمها مختلف عند كثير من الفقهاء، وهي أن تتزوج المرأة بعد عدتها رجلاً آخر زواجاً صحيحاً يدخل بها، ثم يفارقها بموت أو طلاق، ثم تعود إلى زوجها الأول بعقد جديد. فهل تعود إليه بما بقي من طلقاته الأولى، أم تعود إليه بثلاث طلقات جديدة كاملة؟ وهل حكم الصورتين واحد؟ هذا هو موضع الصدمة الحقيقية في المسألة، وهذا ما فرق الفقهاء ودار الإفتاء بين صورتيه تفريقاً واضحاً يجب أن يعرفه كل من مر بهذه التجربة.

الإجابة فقهياً بالأدلة

الأصل القرآني في عدد الطلقات قوله تعالى في سورة البقرة، الآية 229: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقوله تعالى في سورة البقرة، الآية 230: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. فالآيتان تجعلان للزوجية الواحدة ثلاث طلقات، فإذا استوفاها الرجل بانت المرأة منه بينونة كبرى لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً ويدخل بها ثم يفارقها وتنقضي عدتها منه.

أما الصورة الأولى، وهي أن يطلق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين، ثم تنقضي عدتها منه، ثم يعقد عليها هو نفسه من جديد دون أن تتزوج بغيره في البين، فقد نقل موقع الإسلام سؤال وجواب عن الإمام ابن قدامة في كتابه المغني قوله: من طلق طلقة أو طلقتين ثم انقضت عدتها وعقد عليها من جديد «ترجع إليه على ما بقي من طلاقها من غير خلاف أيضاً عند العلماء». فإذا كان قد طلقها واحدة بقيت له طلقتان، وإذا كان قد طلقها اثنتين بقيت له طلقة واحدة فقط، فإذا طلقها إياها بعد العقد الجديد حرمت عليه تحريم البينونة الكبرى. ووجه ذلك أن العقد الجديد لم ينشئ عصمة جديدة من كل وجه، بل أعاد المرأة إلى زوجها نفسه الذي بقيت له عليها بقية من عدد الطلاق، فلا يهدم العقد ما سبقه من الطلقات باتفاق الفقهاء في هذه الصورة، ولا خلاف بينهم فيها كما حكاه ابن قدامة.

وأما الصورة الثانية، وهي التي تسمى عند الفقهاء «مسألة الهدم»، فهي أن تبين المرأة من زوجها الأول بينونة صغرى، ثم تتزوج زوجاً آخر زواجاً صحيحاً ويدخل بها دخولاً حقيقياً، ثم يفارقها وتنقضي عدتها، ثم تعود إلى زوجها الأول بعقد جديد. فهل يهدم دخول الزوج الثاني ما تقدم من طلقات الزوج الأول القليلة، فتعود إليه بثلاث طلقات جديدة، أم لا يهدمها فتعود إليه بما بقي؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين مشهورين. القول الأول: قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو أن الزوج الثاني يهدم ما دون الثلاث، كما يهدم الثلاث، فإذا كان الأول قد طلق واحدة أو اثنتين ثم تزوجت بغيره ودخل بها ثم عادت إليه، عادت إليه بحل جديد كامل، أي بثلاث طلقات جديدة، لأن زواج الثاني ودخوله أنهى أثر العصمة الأولى وأنشأ للعودة حلاً جديداً تاماً. والقول الثاني: قول الجمهور، وهم مالك والشافعي وأحمد، ووافقهم من الحنفية محمد بن الحسن وزفر، وهو أن الزوج الثاني لا يهدم ما دون الثلاث، وإنما يهدم الثلاث وحدها، لأن التحليل إنما شرع لإزالة حرمة البينونة الكبرى، فإذا لم توجد ثلاث أصلاً لم يكن هناك ما يهدمه، فتعود المرأة إلى الأول على ما بقي من طلاقها كما لو لم تتزوج بغيره. فالخلط بين الصورتين هو سبب الخطأ الشائع، والصواب التفريق بينهما، فالأولى محل اتفاق، والثانية محل هذا الخلاف المعتبر.

رأي دار الإفتاء والأزهر

حسمت دار الإفتاء المصرية اختيارها في مسألة الهدم بالفتوى رقم 4925، الصادرة في 27 نوفمبر 2019، عن المفتي الدكتور شوقي علام، وجاء فيها: «الرأي المختار أنها تعود إليه بحِلٍّ جديد؛ أي بثلاث طلقات، وهو الرأي الراجح في مذهب الأحناف». فالدار اختارت في الصورة الثانية، صورة الزوج الوسيط الذي دخل بها ثم فارقها، قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وجعلته هو المفتى به عندها، وبمقتضاه تعود المرأة إلى زوجها الأول مالكة لعصمة جديدة كاملة، فلا تحسب عليها الطلقة أو الطلقتان السابقتان على زواجها الثاني.

ويؤيد هذا الاختيار ما جاء في فتاوى دار الإفتاء المصرية عن المفتي عطية صقر، إذ قال: «العمل في مصر على الرأي الأول وهو العودة بالثلاث». فالمعمول به في مصر فتوى وقضاء، في حدود ما نقلته المادة، هو العودة بثلاث طلقات جديدة في مسألة الهدم، لا العودة بما بقي. وينبغي التنبه إلى أن هذا الاختيار خاص بصورة وجود زوج ثان دخل بها دخولاً صحيحاً، ولا ينسحب بحال على الصورة الأولى التي لا زوج وسيط فيها، فتلك تعود فيها المرأة بما بقي باتفاق العلماء كما تقدم، ولا يغير العقد الجديد وحده عدد الطلقات.

أما الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية، فلم نقف على فتوى منشورة للأزهر في هذه المسألة بعينها في المادة الموثقة المتاحة، فلا ينسب إليه هنا موقف منفصل عن موقف دار الإفتاء، وإنما يذكر موقف الدار بوصفه الجهة الموثقة في هذه المسألة برقم فتواها وتاريخها ومفتيها.

المراجع

– دار الإفتاء المصرية، فتوى رقم 4925 «مسألة هدم الطلاق» (2019)

– المغني لابن قدامة

– موقع الإسلام سؤال وجواب، سؤال رقم 82622

– فتاوى دار الإفتاء المصرية ج9، المفتي عطية صقر (1997)

– القرآن الكريم: سورة البقرة، الآيتان 229 و230

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى