طلّقها وهي حائض ثم ندم.. فهل وقع الطلاق أصلاً؟

المقدمة
من أكثر مسائل الطلاق التي تتكرر في بيوت المسلمين، وتثير حيرة شديدة بين الزوجين، أن يقع الطلاق في لحظة غضب والمرأة في حال حيض أو نفاس، ثم يهدأ الزوج ويسأل: هل وقعت هذه الطلقة وحُسبت علينا، أم أنها كأن لم تكن؟ والسؤال يتعلق بمصير أسرة كاملة؛ لأن الحكم بوقوع الطلقة يعني نقصان عدد الطلقات التي يملكها الزوج، وترتيب أحكام العدة والرجعة عليها، أما الحكم بعدم وقوعها فيعني بقاء الزوجية كما هي.
وسبب الحيرة أن الناس يسمعون قولين متعارضين: قولاً مشهوراً بأن الطلاق يقع في كل حال، وقولاً آخر بأن طلاق الحائض بدعة لا يقع. ولهذا كان لا بد من عرض المسألة بأدلتها وأقوال أهل العلم فيها عرضاً هادئاً موثقاً.
الإجابة فقهياً بالأدلة
أصل المسألة في كتاب الله تعالى قوله سبحانه في سورة الطلاق، الآية 1: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾. وقد فسر جمهور المفسرين والفقهاء قوله تعالى: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ بأن تطلق المرأة في طهر لم يجامعها فيه زوجها، أو وهي حامل قد تبين حملها، بحيث تستقبل العدة استقبالاً صحيحاً منضبطاً. فمن طلق امرأته وهي حائض لم يطلقها للعدة التي أمر الله بها؛ لأن أيام الحيض لا تُحسب من العدة، ولأن تطويل العدة عليها فيه ضرر بها.
وأما من السنة، فالدليل المحوري في الباب هو حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، وقال: فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء. وهذا الحديث متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الطلاق، ورواه مسلم في كتاب الطلاق.
وقد اختلف الفقهاء في طلاق الحائض هل يقع أو لا يقع، كما نقل موقع الإسلام سؤال وجواب في فتوى «الطلاق في الحيض» بقوله: «اختلف الفقهاء في طلاق الحائض هل يقع أو لا؟ فذهب جمهورهم إلى وقوعه، وذهب جماعة منهم إلى عدم وقوعه، وعليه الفتوى عند كثير من فقهاء العصر منهم الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين».
فذهب جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة، إلى أن طلاق الحائض يقع ويحسب طلقة، مع اتفاقهم على أنه طلاق بدعي محرم يأثم به الزوج لمخالفته السنة في وقت الطلاق. وحجتهم الأساسية عندهم حديث ابن عمر رضي الله عنهما نفسه؛ إذ قالوا: إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر بمراجعة امرأته دليل على وقوع الطلقة؛ لأن المراجعة لا تكون إلا بعد وقوع طلاق رجعي. وبناء على هذا القول، يؤمر الزوج أن يراجع زوجته وجوباً عندهم ليرفع أثر البدعة، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم بعد ذلك إن شاء أمسكها بمعروف، وإن شاء طلقها قبل أن يمسها، فيكون طلاقه حينئذ موافقاً للسنة.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن طلاق الحائض لا يقع أصلاً، وتبقى المرأة زوجة كما هي. وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم، وهو الذي عليه الفتوى عند كثير من فقهاء العصر، منهم الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين، كما جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الجزء 20، صفحة 58، في كلامها عن الطلاق البدعي، ونصها: «الطلاق البدعي أنواع… والصحيح في هذا أنه لا يقع».
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله في بيان هذا القول: «طلاق الحائض لا يقع في أصح قولي العلماء، خلافاً لقول الجمهور… اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وجمع من أهل العلم؛ لأن شرع الله أن تُطلَّق المرأة في حال الطهر… فإذا طلقها في حيض أو نفاس أو في طهر جامعها فيه فإن هذا الطلاق بدعة، ولا يقع على الصحيح من قولي العلماء». وحجة أصحاب هذا القول أن الله تعالى شرع الطلاق على وجه مخصوص وفي وقت مخصوص، فمن خالف ما شرعه الله لم ينفذ تصرفه؛ لأن العبادات والمعاملات المشروعة بصفة معينة لا تصح إذا وقعت على خلافها، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رد ما خالف أمره، وطلاق الحائض مخالف لأمر الله ورسوله في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. وأما المراجعة المأمور بها في حديث ابن عمر، فحملوها على معنى رد المرأة إلى عصمته رداً لغوياً، لا على المراجعة الاصطلاحية التي لا تكون إلا بعد طلاق واقع.
ويدخل في حكم طلاق الحائض عند الفقهاء صورتان أخريان تسميان أيضاً طلاقاً بدعياً من جهة الوقت: طلاق المرأة في النفاس، وطلاقها في طهر جامعها فيه زوجها ولم يتبين حملها؛ لأن العلة واحدة، وهي عدم استقبال العدة على الوجه المشروع، وعدم انضباط بدايتها. أما إذا طلقها وهي حامل قد تبين حملها فطلاقها سني واقع باتفاق؛ لأن عدتها بوضع الحمل منضبطة لا لبس فيها.
والخلاصة أن المسألة خلافية قديمة معتبرة، لكل فريق فيها دليله وفهمه لحديث ابن عمر رضي الله عنهما. والواجب على من وقعت له هذه النازلة أن يعرض حالته بتفاصيلها على جهة إفتاء معتبرة؛ لأن الفتوى في وقائع الطلاق تتبدل بتبدل التفاصيل، من عدد الطلقات السابقة، وحال الزوج عند التلفظ، وصيغة اللفظ نفسه.
رأي دار الإفتاء والأزهر
لم نقف في المادة الموثقة لهذه المسألة على فتوى مرقمة بعينها صادرة عن دار الإفتاء المصرية في طلاق الحائض بخصوصه، فلا ننسب إليها رقماً ولا نصاً لم يثبت لدينا. والمعروف من كتب الفتوى المصرية المنقولة عن جمهور الفقهاء هو العمل بقول الجمهور القائل بوقوع طلاق الحائض مع إثم إيقاعه في زمن الحيض، وهو قول الأئمة الأربعة كما تقدم، غير أن إثبات فتوى رسمية مرقمة في واقعة بعينها يحتاج إلى الرجوع المباشر إلى دار الإفتاء وسؤالها عن الحالة المعروضة بتفاصيلها، ولا يغني عنه النقل العام عن المذاهب.
ولم نقف على فتوى منشورة للأزهر في هذه المسألة بعينها.
ومع هذا التوقف في نسبة فتوى مرقمة، فإن الموقف العملي هو عدم الاعتماد على الفتاوى العامة وحدها لبناء حكم نهائي على واقعة معينة، بل عرض الواقعة كاملة على المفتي المختص؛ لأن طلقة واحدة قد يتوقف عليها بقاء النكاح أو انقضاؤه.
المراجع
– موقع الإسلام سؤال وجواب، فتوى «الطلاق في الحيض»
– فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الجزء 20
– مجموع فتاوى الشيخ ابن باز
– صحيح البخاري، كتاب الطلاق، حديث ابن عمر رضي الله عنهما
– صحيح مسلم، كتاب الطلاق، حديث ابن عمر رضي الله عنهما
– القرآن الكريم، سورة الطلاق، الآية 1
