هي تجزم أنه طلّقها ثلاثاً وهو يحلف أنه لم يفعل.. فهل يحلّ لها أن تبقى معه؟

المقدمة
من أصعب المواقف التي قد تمر بها امرأة في حياتها الزوجية أن تسمع من زوجها، في لحظة غضب أو في مجلس خاص لا شاهد فيه، ألفاظ الطلاق الثلاث صريحة واضحة، فتتيقن في نفسها أنها بانت منه بينونة كبرى، ثم إذا هدأ غضبه أنكر كل شيء وحلف أنه لم يطلق، وأصر على استمرار الحياة الزوجية كأن شيئاً لم يكن. عندئذ تجد المرأة نفسها ممزقة بين أمرين متناقضين في ظاهرها: فالناس من حولها، وربما القضاء نفسه، يرونها زوجته الشرعية لأن الأصل بقاء النكاح ولا بينة على الطلاق، وهي في داخلها موقنة أنها أجنبية عنه وأن معاشرته لها صارت محرمة عليها.
وهذا النوع من الخلاف ليس نادراً، بل يتكرر كلما وقع الطلاق شفوياً بلا توثيق وبلا شهود، وكلما كان الزوج ممن يطلق في الغضب ثم يندم فينكر. ومن هنا كان سؤال المرأة صادماً ومؤلماً في آن واحد: هل تعيش معه طاعة للقضاء ولظاهر الحال، أم تهجره طاعة لما تعلمه بينها وبين الله؟ وهل يؤاخذها الشرع إذا مكنته من نفسها وهي موقنة بالثلاث، وهل عليها ذنب إذا امتنعت عنه وهو ينكر؟ وقد أجاب الفقهاء عن هذه الصورة إجابة دقيقة فرقت بين حكم القضاء وحكم الديانة، وهي تفرقة لا بد من فهمها حتى لا تختلط الأحكام ولا تضيع الحقوق.
الإجابة فقهياً بالأدلة
الأصل العام في أبواب الطلاق قوله تعالى في سورة البقرة، الآية 229: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقوله تعالى في سورة البقرة، الآية 230: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. فالطلقة الثالثة توجب البينونة الكبرى، فلا تحل المرأة لزوجها بعدها حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً ويدخل بها ثم يفارقها وتنقضي عدتها، وهذا حكم قطعي في كتاب الله لا خلاف فيه بين المسلمين.
ثم إن دعوى الطلاق إذا تجردت عن البينة حكمها عند الفقهاء من جهة القضاء أن القول قول الزوج المنكر، فقد نقل موقع الإسلام سؤال وجواب، في سؤاله رقم 116641، عن الإمام ابن قدامة في كتابه المغني قوله: «إذا ادّعت المرأة أن زوجها طلّقها فأنكرها فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء النكاح». فالأصل الشرعي والقضائي هو استصحاب عقد الزواج القائم، ودعوى زواله بالطلاق دعوى تحتاج إلى إثبات، فإذا لم تأت المرأة ببينة شرعية، كشهادة عدلين سمعا الطلاق أو رأيا ما يثبته، بقيت في نظر القضاء والناس زوجة له، ولا يحكم القاضي بفراقها بمجرد دعواها، لأن الأحكام الظاهرة تبنى على البينات لا على مجرد الادعاء.
غير أن هذا الحكم القضائي شيء، وحكم الديانة، أي ما بين العبد وربه، شيء آخر تماماً. فقد قال ابن قدامة في المغني أيضاً، في الصورة التي تيقنت فيها المرأة من الطلقات الثلاث وسمعتها بنفسها ثم أنكرها الزوج: «فإذا طلّق ثلاثاً وسمعت ذلك وأنكر… لم يحلّ لها تمكينه من نفسها، وعليها أن تفرّ منه ما استطاعت، وتمتنع منه إذا أرادها، وتفتدي منه إن قدرت، قال أحمد: لا يسعها أن تقيم معه». فالمرأة إذا كانت موقنة لا شاكة، وسمعت الثلاث سماعاً لا يحتمل التأويل، فقد بانت منه في علمها وبينها وبين الله، ويحرم عليها أن تمكنه من نفسها تمكين الزوجة من زوجها، لأنها تعلم من نفسها ما لا يعلمه القاضي ولا الناس، والله تعالى مطلع على الحقيقة التي أنكرها الزوج، وإثم الإنكار والكذب عليه هو وحده إن كان كاذباً.
وبالمعنى نفسه جاءت فتوى إسلام ويب رقم 375094، إذ قررت أنه إن تيقنت المرأة من وقوع الطلقات الثلاث فقد بانت منه بينونة كبرى، ولا يحل لها تمكينه من نفسها، وعليها السعي في مفارقته ولو بمخالعته على مال تدفعه إليه لتتخلص منه. فالحلول العملية التي ذكرها الفقهاء لمثل هذه المرأة مرتبة بحسب الاستطاعة: أن تفر منه وتمتنع منه ما استطاعت بغير أن تعرض نفسها لضرر محقق لا تطيقه، وأن تسعى في إثبات الطلاق بالبينة أمام القضاء إن وجدت شهوداً عدولاً، وأن تفتدي نفسها منه بالخلع على مال إن قدرت على ذلك ولم تجد سبيلاً غيره للمفارقة، فإن الخلع هنا ليس ظلماً لها في نظر الفقهاء القائلين بهذا، بل هو سبيل شرعي للخلاص من معاشرة تعلم أنها محرمة عليها ديانة.
وقد نقل في المسألة قول مخالف لبعض السلف، رُوي عن الحسن البصري والزهري والنخعي، وهو أن الزوج يُستحلف على إنكاره، فإذا حلف كان الإثم عليه وحده، وبقيت المرأة معه على ظاهر الحال. غير أن القول الذي نقلته المصادر المعتمدة في مادة هذا السؤال واعتمدته في الفتوى هو قول الجمهور المتقدم، وهو التفريق بين القضاء والديانة، وأن يقين المرأة بالثلاث يلزمها في دينها أن تمتنع وأن تسعى للمفارقة، ولا يعفيها إنكار الزوج ولا حلفه من هذا الواجب إذا كانت موقنة بما سمعت. ومن هنا كانت النتيجة مزدوجة ومؤلمة لكنها منضبطة: هو مصدق قضاء بلا بينة، وهي محرمة عليه ديانة بيقينها، ولكل من الحكمين مجاله الذي لا يلغي الآخر.
رأي دار الإفتاء والأزهر
في حدود المادة الموثقة المتاحة لهذه الصورة بعينها، وهي دعوى المرأة يقيناً وقوع الطلقات الثلاث مع إنكار الزوج وحلفه، لم نقف على فتوى منشورة لدار الإفتاء المصرية في هذه المسألة بعينها، فلا ينسب إلى الدار هنا قول لم يثبت عنها بنصه ورقمه في هذه الصورة الخاصة، وإن كانت قواعد الإثبات العامة معلومة.
وكذلك لم نقف على فتوى منشورة للأزهر في هذه المسألة بعينها في المادة المتاحة، فلا ينسب إلى الأزهر الشريف ولا إلى مجمع البحوث الإسلامية موقف خاص بهذه الصورة غير ما نقلته المصادر الفقهية المعتمدة المتقدمة من كلام ابن قدامة في المغني ومن قال بقوله من الأئمة. والواجب على من وقعت له هذه النازلة بعينها أن يعرض حاله بتفاصيلها على جهة إفتاء يثق بها، لاحتمال اختلاف الحكم باختلاف درجة يقين المرأة، وهل كان سماعها صريحاً أو محتملاً، وهل توجد بينة أو قرائن تقوي دعواها أمام القضاء.
المراجع
– موقع الإسلام سؤال وجواب، سؤال رقم 116641
– المغني لابن قدامة
– إسلام ويب، فتوى رقم 375094
– القرآن الكريم: سورة البقرة، الآيتان 229 و230
